محمد أبو زهرة

633

زهرة التفاسير

الحجة ؛ وأن تكبير المسلمين جميعا إشعار لهم بأنهم جميعا مع الحجيج بقلوبهم وذكرهم ؛ وأن المجتمع الأكبر في حرم الله هو جمعهم أجمعين ، وأن أولئك الضيوف الذين حلوا في ساحة الكريم المنان هي وفودهم إلى ذلك المؤتمر الأكبر ، وأن المؤمنين مهما تتباعد الديار كلهم على قلب رجل واحد في رفع راية الإسلام ونشر مبادئه الفاضلة . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ختم الله سبحانه وتعالى آيات الحج التي أشار فيها إلى مناسكه ، وذكر فيها بعض أعمال الحجيج الواجبة فيها ، بهذه الجملة السامية ، وبذلك الأمر الجازم القاطع ، وهو الأمر المكون من عنصرين أحدهما : تقوى الله ، وثانيهما : العلم اليقيني بالحشر ، وأنه سيكون إلى رب العالمين ؛ وفي هذا إشارة إلى خلاصة التدين وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها ، فإن لم تؤد أية عبادة إلى هذين الأمرين ، فهي صورة لا روح فيها ، وشكل لا ثمرة منه ، فإن لم ترب العبادة قلبا خاشعا ، وعقلا خاضعا ، وهوى ممنوعا ، وترقبا خائفا ، فهي عبادة جوفاء ، وإن نسي الشخص لغفلة في نفسه أو غفوة من عقله ؛ أو غشيان الضلال على قلبه - الحشر والحساب والعقاب والثواب فقد ضل ضلالا بعيدا . . . إن الإيمان باليوم الآخر هو لب الدين ، وهو الفاصل بين المهتدى والضال ، فمن حسبها دنيا لا آخرة بعدها ، فقد خسر خسرانا مبينا ؛ خسر نفسه ، فضل وأضل ، وخسر حياته ففهمها أجلا محدودا لا غاية وراءها ، ولا سمو بعدها ، وخسر العزاء الروحي الذي يجعله يرضى بشدائد الحياة رجاء لما وراءها ؛ ولذلك قال الله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ . . . ( 31 ) [ الأنعام ] . وفي الجزء الثاني من الأمر تهديد بالعقاب ، بعد الترغيب في الثواب ، وعند الله حسن المآب .